التعليم الثانوي - التعليم المتوسط - التعليم الإبتدائي
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
تذكر دائما صلاتك في وقتها ..مع الدعاء و الذكر ..و الصلاة على النبي الكريم
جريدة الشروق
جريدة الخبــر
الصحف الجزائرية
أسماء الله الحسنى
815ima
 
معرفة القبلة لمدينتك

شاطر | 
 

 نظرية القرائن في التحليل اللغوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
hakimoooo

avatar

عدد الرسائل : 6463
تاريخ التسجيل : 28/06/2008

مُساهمةموضوع: نظرية القرائن في التحليل اللغوي   الأحد 19 ديسمبر 2010, 17:32

نظرية القرائن في التحليل اللغوي

حاول هذه البحث التأصيلَ لمصطلح القرائنِ ومرادفاتِهِ في التراثِ اللغوي ،
وكَشْفَ أبعادِ نظريةِ القرائنِ وأثرِها في التحليل اللغوي ، كما حاول ربطَ
مصطلح القرائنِ بنظريةِ النظمِ عند عبدِ القاهرِ الجرجاني،وبيانَ علاقَةِ
هذه النظريةِ بالتحليلِ اللساني، ووقف عند المحاور التالية:
المحور الأول: أصالة مصطلح القرائن في النظرية النحوية:
المحور الثاني: فكرةُ القرائنِ عند تمام حسان:
المحور الثالث: فكرةُ القرائن في ضوء نظرية النظم
المحور الرابع: العامل النحوي والقرائن:
ووصل البحث إلى أن ما قدمه حسان للتراث خدمة جليلة تمثل باستلهامه التراث
العربي وإعادته فكرة تضافر القرائن التي تناولها علماؤنا القدماء، وجعلوها
نبراسا لهم في تحليلهم اللغوي. دون أن يغفلوا دور العامل النحوي في التحليل
اللغوي، وأنهم أولوا المعنى المعجمي عنايتهم في تحليلهم اللغوي، وأن
الدراسات اللغوية العربية اتسمت بسمة الاتجاه إلى المبنى كما قصدت إلى
المعنى، واهتمت بالمعاني التركيبية.









مقدمة البحث
يحاول هذا البحث التأصيلَ لمصطلح القرائنِ ومرادفاتِهِ في التراثِ
اللغوي،وينطلق من المنطلقات التي وضعها حسان أساسا لفكرة القرائن، وهي:
أولا: قول حسان إن الدراسات اللغوية العربية اتسمت بسمة الاتجاه إلى المبنى
أساسا ولم يكن قصدها إلى المعنى إلا تبعاً لذلك وعلى استحياء، وقوله إن
النحويين لم يولوا المعنى المعجمي عنايتهم في تحليلهم اللغوي.
ثانيا: قول حسان إن النحويين لم يعطوا عناية كافية للجانب الذي يشتمل على
طائفة من المعاني التركيبية والمباني التي تدل عليها فمن ذلك مثلا معنى
الإسناد... وقوله إن النحويين لم يفطنوا إلى طبيعة التعارض الممكن حدوثه
بين النظام ومطالبِ السياق أو بعبارة أخرى التعارضِ بين مطالب التحليل
ومطالبِ التركيب .
ثالثا: إغفال حسان دور العامل النحوي في التحليل اللغوي، وقوله إن فهم
القرائن وحده كاف للقضاء على خرافة العامل النحوي.
وستكون محاورُه وَفْقَ ما يأتي:
أولا: أصالةُ مصطلحِ القرائنِ في النظريةِ النحويةِ.
ثانيا: فكرةُ القرائنِ عند تمام حسان.
ثالثا: فكرةُ القرائنِ في ضَوْءِ نظريةِ النَّظْم.
رابعا: العاملُ النحويُّ والقرائن.
خامسا: اضطراب المصطلح.
سادسا: آراء حول نظرية القرائن.






أولا- أصالة مصطلح القرائن في النظرية النحوية:
لا يبتعد المعنى الاصطلاحي للقرائن كثيرا عن المعنى اللغوي. فالمعنى اللغوي
مأخوذ من (قرن) الذي يرد بمعان كثيرة منها: الوصل، والجمع، والشدّ،
والربط، والمصاحبة، والتلازم، والالتقاء، والروابط ،فيقال: قرن الشيء
بالشيء: وصله، وقرن الشيء بالشيء: جمعه، قرّن الأسارى: شدّهم وربطهم،
وقارنه قِرانا ومقارنة:صاحبه، والقرينة الزوجة لأنها تقارن زوجها وتلازمه .
أما المعنى الاصطلاحي للقرائن فهو - تقريبا- يدور حول هذه المعاني، ومدى
ارتباط الكلمات بعضها ببعض سواء أكان ذلك داخل الجملة أم كان داخل السياق،
ويُرشح هذا المعنى أو ذاك وجودُ قرينة دالّة على المعنى المقصود لفظية كانت
أو معنوية. وبين النحويون ذلك عند حديثهم عن الإسناد ،أو التلازم ،أو
التعدية ، أو عند حديثهم عن الأبواب النحوية، نحو: المبتدأ والخبر والفاعل
والجار والمجرور والإضافة والتوابع .... ولذا نجد حديثهم عن القرائن
متناثرا في أبواب متعددة، فما تكاد تجد بابا إلا للقرينة ذكرٌ فيه سواء
باللفظ صراحة أو بما يدل عليه.
فقد ورد هذا المصطلحُ صراحةً عند الحديث عن التقديم والتأخير والحذف ...
فهذا ابن هشام أورده في حديثه عن خبر المبتدأ بعد (لولا) بأن الخبر إذا كان
كونا مقيدا كالقيام والقعود فيجب ذكره إن لم يكن يعلم نحو:"لولا قومك
حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة" ، وأضاف لعل هذا "مما يروى بالمعنى، وعن
الكسائي في إجازته الجزم بأنه يقدر الشرط مثبتا مدلولا عليه بالمعنى لا
باللفظ، ترجيحا للقرينة المعنوية على القرينة اللفظية وهذا وجه حسن إذا كان
المعنى مفهوما" . وذكر في موضع آخر أنه يجب تأخير المفعول في نحو:"ضرب
موسى عيسى" لانتفاء الدلالة على فاعلية أحدهما ومفعولية الآخر فلو وجدت
قرينة معنوية، نحو: "أرضعت الصغرى الكبرى" و"أكل الكمثرى موسى" أو لفظية
نحو قولك: "ضربت موسى سلمى" . وذكر في موضع آخر - أيضا- أن حذف الجار في
قوله تعالى﴿وترغبون أن تَنْكِحوهُن﴾ (النساء:127) كان لقرينة .
ونحو حديثه -أيضا- عن حذف العامل في المفعول المطلق ،يقول إن هناك"مصادر
سماعية كثر استعمالها ، ودلّت القرائن على عاملها ، كقولهم عند تذكر نعمة
وشدة :"حمدا وشكرا لا كفرا" و"صبرا لا جزعا" .
وتكرر هذا المصطلح عند السيوطي فذكره صراحة عند حديثه عن تقدير المحذوف في
قوله تعالى﴿قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة﴾( فصلت:14) يقول:"فإن المعنى
لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة بقرينة السياق" ، وذكر مصطلح القرائن
اللفظية -أيضا - في حديثه عن البيت التالي :
ما جادَ رأيا ولا أجدى محاولةً إلا امرؤ لم يُضِع دنيا ولا دينا
يقول:"بل هو من باب الحذف العام لدلالة القرائن اللفظية والتقدير(أحد) حذف
واكتفى بقصده ودلالة النفي والاستثناء" .
وذكر ابن جني مصطلح(الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية)في حديثه عـن(صعد
وسعد) ،يقـول:" فجعلوا الصاد لقوتها، مع ما يشاهد من الأفعال المعالَجة
المتجشمة، وجعلوا السين لضعفها ، فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين،
والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية" , وأفرد بابا بعنوان" باب في
الدلالة اللفظية والصناعية والمعنوية"، يقول فيه:" اعلم أن كل واحد من هذه
الدلائل معتدّ مراعًى مُؤْثَر؛إلا أنها في القوة والضعف على ثلاث
مراتب:فأقواها الدلالة اللفظية ، ثم تليها الصناعية، ثم تليها المعنوية...
فمنه جميع الأفعال. ففي كل واحد منها الأدلة الثلاثة ألا ترى إلى "قام"،
و(دلالة لفظه على مصدره)و(دلالة بنائه على زمانه)، و(دلالة معناه على
فاعله). فهذه ثلاث دلائل من لفظه وصيغته ومعناه... ألا تراك حين تسمع "ضرب"
قد عرفت حدثه وزمانه, ثم تنظر فيما بعد، فتقول: هذا فعل,ولا بد له من فاعل
" .
وورد هذا المصطلح أيضا في الحديث عن قوله تعالى" كلا إذا بلغت التراقي
"الأنعام94، فذكر الكسائي أن فاعل (بلغت) يعود على الروح المفهوم من سياق
الكلام . وفي قول الرسول صلّى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو
مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" نجد أن الفاعل محذوف دل عليه
الفعل المسند إليه بقرينة السياق، والتقدير: ولا يشرب الشارب المدلول عليه
بالفعل (يشرب) بطريقة الالتزام، ودل عليه الحال المشاهدة في قول الشاعر :
فإن كان لا يرضيك حتى تردَّني إلى قَطَريّ لا أخا لك راضيا
وعليه نجد أن هذا المصطلح له حضوره في كتب التراث النحوي، استثمره علماؤنا
القدماء في بيان العلاقات بين الكلمات داخل التركيب اللغوي.
ثانيا- فكرة القرائن عند تمام حسان :
جاءت فكرة "تضافر القرائن" -كما أرادها حسان - لإيضاح المعنى الواحد
المتمثل أساسا في تفكيك بنية الإسناد، وبيان علاقات الكلمات فيه كمهمة من
مهمات الإعراب كما هو معروف في النحو العربي. وهنا يتعدى مفهوم القرائن
مجرد الاهتمام بالعامل - حسب رؤية حسان - ومدى أثره في تحديد العلامات
الإعرابية لمباني مكونات الإسناد إلى التعامل مع مجموعة من المعطيات الأخرى
بما فيها القرائن المعنوية والقرائن اللفظية.
وقد بنى حسان فكرته هذه على أن" كل منهج علمي من مناهج البحث في الوقت
الحاضر أنه يُعنى أولا وأخيرا بالإجابة عن(كيف) تتم هذه الظاهرة أو تلك
فإذا تعدّى هذا النوع من الإجابة إلى محاولة الإجابة عن(لماذا) تتم هذه
الظاهرة أو تلك لم يعد هذا منهجا علميا ؛بل لا مفرّ من وصفه بالحدس
والتخمين" ، ولذا لا يعنيه السؤال بـ(لماذا) لأنه يعتمد على الحدس
والتخمين، وفي سبيل هذه الفكرة عرض حسان لنص لا معنى لكلماته ، ولكنها
مصوغة على شروط اللغة العربية، وهو" حَنْكَفَ المستعصُ بقاحته في الكحظ
فعنّذ التران تعنيذا خسيلا ، فلما اصطف التران ، وتحنكفَ شقله المستعصّ
بحشله فانحكز سُحيْلا سُحيْلا حتى خزب" ثم قال بعد ذلك :"لكأني بالقارئ
الآن قد بدأ في إعراب هذا النص ، وكأني أسمعه يقول: حنكف فعل ماض ،
والمستعص فاعل ، وبقاحته جار ومجرور متعلق بحنكف، إلى أن يتم الإعراب
الصحيح" ، ويذهب إلى أن القارئ يستطيع أن يعرب كلمات ليس لها معنى في
المعجم، ولا يدل نصها المذكور على معنى دلالي خاص، وذلك:" لأن هذه الكلمات
الهرائية تحمل في طيها معنى وظيفيا ، فالكلمة الأولى في النص تؤدي وظيفة
الفعل الماضي لسببين: الأول أنها جاءت على صيغته، والثاني أنها وقعت موقعه،
وتقوم الكلمة الثانية بدور آخر، والثالثة بوظيفة ثالثة، وهلم جرا"
ثم أورد بيتا شعريا لا معنى لكلماته من الناحية المعجمية ، ومع هذا فقد
أعرب مفرداته:
قاص التَجِينُ شِحالَه بِتَرِيسهِ ال فاخي فَلَم يَسْتِف بطاسيةِ
البَرَنْ
وقد جاء بهذا البيت ليكون موافقا لشروط حدّدها، وهي: اشتماله على حروف
العربية، والمحافظة على إدغام ما تماثل أو تقارب من هذه الحروف على الطريقة
العربية، وتقليد المباني الصرفية العربية، سواء مباني التقسيم أو التصريف
أو القرائن، والمحافظة على مظهر العلامات النحوية، ولكنه تجاهل الاعتبارات
المعجمية، ولذا لا يكون النسق النطقي جملة عربية بأي صورة من صور الجملة ،
وذكر أنه يمكن إعراب النص، فنقول: قاص: فعل ماض مبني على الفتح لا محل له
من الإعراب .
التجين: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة
شحاله: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة .
الهاء: مضاف إليه مبني على الضم في محل جر .
وهكذا حتى ينتهي من إعراب البيت، وذكر أن الصلة وثيقة بين الإعراب والمعنى
الوظيفي، حيث كان الإعراب الكامل معتمدا على دور التحليل اللغوي، أو ما
أسماه بالمعنى الوظيفي؛ لأنه هو الذي "يحدد الفهم صوتيا من حيث إن الحروف
مقابل استبدالي ، وصرفيا من حيث إن المبنى إطار شكلي يتحقق بالعلامة".
أقام حسان منهجه على فكرة التعليق أو العلاقات السياقية وهي الفكرة
المركزية في النحو العربي، وقد استلهمها من الجرجاني، ومقتفيا أثر
أستاذه(فيرث) الذي أقام نظريته على فكرة السياق، على الرغم من أن هذه
الفكرة – كما سيأتي – قد عالجها علماء اللغة قديما من خلال إدراكهم أثر
السياق في فهم الحدث اللغوي، إلا أن(فيرث) قد توسع في معالجتها بحيث كونت
نظرية لغوية متكاملة، وأصبحت أساس المدرسة اللغوية الاجتماعية، فقد عالج
هذا العالم جميع الظروف اللغوية لتحديد المعنى، ومن ثم حاول إثبات صدق
المقولة بأن"المعنى وظيفته السياق"، [واستطاع تلميذه تمام حسان بذكائه
اللغوي أن يربط بين هذه النظرية(نظرية السياق) عند(فيرث) والتعليق النحوي
عند عبد القاهر الجرجاني، فيما يسمى بسياق(الحال)والسياق اللغوي(المقال).
وانتهى هذا التأثير عنده بالمنهج الوصفي الوظيفي، الذي تبناه، وبنى عليه
فكرة القرائن بعد قراءته عبد القاهر الجرجاني وفكرة التعليق النحوي عنده] ،
وجعلها محور كتبه ومقالاته ودراساته اللغوية، محاولا - بناء عليها – تفسير
العلاقات النحوية التي تعتمد على القرائن المعنوية واللفظية لتوضح المبنى
النحوي، وذكر أن "فهم التعليق على وجهه كاف وحده للقضاء على خرافة العمل
النحوي والعوامل النحوية؛ لأن التعليق يحدّد بواسطة القرائن معاني الأبواب
في السياق ، ويفسّر العلاقات بينها على صورة أوفى وأفضل وأكثر نفعا في
التحليل اللغوي لهذه المعاني الوظيفية النحوية" . فهذا هو يعد العامل
النحوي خرافة، وأن التعليق الذي بنى عليه نظريته واستلهمه من الجرجاني كاف
للقضاء على خرافة العامل، والغريب أنه يقرن هذا الرأي بعبد القاهر
الجرجاني، في قوله:"وفي رأيي – كما في رأي عبد القاهر على أقوى احتمال- أن
التعليق هو الفكرة المركزية في النحو العربي، وأن فهم التعليق على وجهه كاف
وحده للقضاء على خرافة العمل النحوي" مما يوحي بأن الجرجاني يعدّ العامل
خرافة، وهذا مجانب للصواب، فقد اعتمد الجرجاني عليه في بناء نظريته،
يقول:"لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادا ومجردة من معاني النحو،
فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن
يريد إعماله في اسم، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل
فيه وجعله فاعلا له أو مفعولا، أو يريد منه حكما سوى ذلك من الأحكام مثل أن
يريد جعله مبتدأ أو خبرا أو صفة أو حالا" ، وهذا ما يؤيده قول حسان نفسه
من أن التعليق هو الفكرة المركزية في النحو العربي، ومركزية التعليق
ارتباطه بالبؤرة (العامل)، مع أنه يتبع هذا بقوله إن التعليق يحدد بواسطة
القرائن معاني الأبواب في السياق، ويفسر العلاقات بينها على صورة أوفى
وأفضل وأكثر نفعا في التحليل لهذه المعاني الوظيفية النحوية ، ويقول في
موضع آخر موضحا مفهوم التعليق عند الجرجاني:"وقد قصد به في زعمي إنشاء
العلاقات بين المعاني النحوية بواسطة ما يسمى بالقرائن اللفظية والمعنوية
والحالية" ، وكأني به هنا قد انتبه إلى أن هذا الكلام يؤخذ عليه فتدارك ذلك
بقوله إن:"عبد القاهر لم يقصد قصدا مباشرا إلى شرح ما يعنيه بكلمة
"التعليق" ولكن إشارات عامة ..." ، ويضيف في موضع آخر أن"أذكى محاولة
لتفسير العلاقات السياقية ...هي ما ذهب إليه عبد القاهر الجرجاني صاحب
مصطلح "التعليق"... فأما النظم فقد جعله عبد القاهر للمعاني، أي أن النظم
في معناه عند عبد القاهر هو تصور العلاقات النحوية بين الأبواب كتصور علاقة
الإسناد بين المسند إليه والمسند وتصور علاقة التعدية بين الفعل والمفعول
به وتصور علاقة السببية بين الفعل والمفعول لأجله" فهو هنا يوافق عبد
القاهر في أن النحو العربي هو في أصله علاقات تربط الكلمات. وبما أن حسان
قد أقام نظريته على التعليق فإنه يرى أنها من أصعب القرائن من حيث إمكان
الكشف عنها؛ لأنها تحتاج إلى تأمل في بعض الأحيان ،وهي أم القرائن
النحوية، وأن الكشف عنها هو الغاية الكبرى من التحليل الإعرابي، ووصل إلى
نتيجة مؤداها أن الناس ما داموا يحسون ويعترفون بالإحساس بصعوبة الإعراب
أحيانا فإنه من الصعب عليهم أن يكشفوا عن هذه القرينة المعنوية ، وترك
الأمر على هذا القول من أنها أصعب القرائن ،فهل صعوبتها صعوبة معرفة العامل
،ومعرفة الإعراب؟
ورأى حسان أن الوظائف التي تؤديها القرائن اللفظية هي السبكCohe-sion،
والوظائف التي تؤديها القرائن المعنوية هي الملائمة Coherence، وإذا اضطرب
السبك (التركيب اللغوي) لم يكن له كفاءة إعلامية، ولهذا فرّق بين جملة
(جاء الجندي على أهبة الاستعداد ) والجملة ذاتها بعد انفراط عقد سبكها (على
جاء أهبة الجندي الاستعداد)، لأن النظام النحوي يتمثل في عدد من القرائن
الدالة على معاني النحو ومن القرائن اللفظية قرينة التضام ، وهي تشتمل على
مفاهيم الافتقار والاختصاص والتنافي، ثم قرينة الرتبة والربط . فالجملة
الثانية خلت من السبك، لأنها خالفت النظام النحوي من سياق النص أو من سياق
الموقف ،فإذا لم تقم هذه القرينة لم تكن هناك كفاءة إعلامية .
وهذا الذي ذكره حسان تحت عنوان السبك والكفاءة الإعلامية ما تناوله سيبويه
ومن تبعه من النحويين عند حديثهم عن قوانين العربية وما انحرف عن أقيستها
ونعتوه بالقبح وهو لا يغتفر، وما نعتوه بالمحال؛ لأن أوله يناقض آخره، وما
نعتوه بالكذب ... .
وذكر حسان اهتمام الدراسات اللغوية عند العرب بالمبنى أساسا ولم يهتموا
بالمعنى إلا على استحياء ، مع أن هذا الوصف غير دقيق لأن مبدأ المعنى الذي
بنى عليه حسان قراءته الجديدة في التراث اللغوي مبثوث بصور متعددة في ذلك
التراث من تفسير وأصول وبلاغة ونحو وصرف؛ ولاحظ حلمي- أيضا - أن حسان ينقض
في موضع آخر ما ذكره سابقا حيث يثبت لعلماء البلاغة العرب إدراكهم لنظرية
المعنى، وسبقهم لعلماء اللغة المحدثين في إدراك نظرية السياق . ومن هذا
المنطلق نجد أن النحو العربي أساسا علم التراكيب، قائم على العلاقات بين
الكلمات في التركيب، وليس صيغا وألغازا ومقولات إعرابية محفوظة، وإنما هو
نوع من التصور العقلي، وتتضح أهميته في نمو الدلالات اللغوية وتناميها .
فقد اهتم سيبويه في الكتاب بالتراكيب ومباني الألفاظ، واختلافها باختلاف
معانيها، ولذا لا نجده يقتصر على النحو الشكلي الذي يهتم بأواخر الكلمات
إعرابا وبناء وإنما أراد بالنحو انتحاء سبيل العرب في بنية ألفاظها
وأساليبها، وما يستتبعه المقام ومقتضى الحال من تقديم وتأخير، أو ذكر وحذف
أو فصل ووصل، أو قصر وإطلاق، أو تعريف وتنكير. وإن كان قد اهتم بالإعراب
وتعليلاته فإن اهتمامه به جاء فطريا ميسورا لتعليل مباحثه النحوية
وتفسيرها، ولم يصل إلى تلك الدرجة من التعقيد والشكلية التي عُهدت في كتب
المتأخرين.
فقد كان الإعراب فرعا للمعنى، واتخذت حركاته دليلا عليه وفوق ذلك تراه
يرجح وجها إعرابيا على آخر لا لشيء إلا لأن المعنى والسياق يطلبه ويحتمه،
ثم تراه ينعى على بعض النحويين في عصره هيامهم بالإعراب والقياس ناسين أو
متناسين مقياس الحسن والقبح الذي يَرُدّ إليه صحة التراكيب على ما استنته
العرب في كلامها .
ولذا نرى سيبويه في تحليله اللغوي لبعض الجمل يقبلها أو يرفضها أو يحكم
عليها احتكاما للمقام أو الحال أو السياق، فـ"تلقانا في الكتاب أمثلة كثيرة
من الجمع بين التفسير اللغوي وملاحظة السياق، وذلك حيث نرى سيبويه يقف إلى
تراكيب مخصوصة فيردّها إلى أنماط لغوية مقرّرة، ويقدر ما يكون عَرَض لها
من الوجهة اللغوية الخالصة من حذف أو غيره ، وفق نظرية العامل ، ولكنه لا
يقف عند ذلك ، بل يتسع في تحليل التراكيب إلى وصف المواقف الاجتماعية التي
تستعمل فيها وما يلابس هذا الاستعمال من حال المخاطب ، وحال المتكلم ،
وموضوع الكلام ... وقد هداه هذا الاتساع إلى استكناه البنية الجوانية
للتركيب النحوي" ، ويذكر الموسى أن التحويليين يعتقدون على نطاق واسع، أن
التفسير غير النحوي خطيئة لا يجوز لنا أن نفارقها إلا أن تفشل التشكيلات
النحوية المحكمة، وأن العوامل غير النحوية مما لا يمكن تشكيله بإحكام قليلة
الأهمية في نظرية النحو .
ويمضي سيبويه في تفسير التلازم التركيبي بين العناصر اللغوية، ويحتكم في
ذلك إلى مدلولات هذه الأنماط عند أبناء اللغة، فيلاحظ أن هذه الأنماط في
مقتضياتها الخارجية مركبة، وأنها تستلزم في التعبير عنها مركبا من العناصر
اللغوية ، قال:"واعلم أن هذه الأشياء لا ينفرد منها شيء دون ما بعده، وذلك
أنه لا يجوز أن تقول:كلمته فاه، حتى تقول : إلى فيّ ؛ لأنك إنما تريد
مشافهة ، والمشافهة لا تكون إلا من اثنين ،فإنما يصح المعنى إذا قلت: إلى
فيّ. ولا يجوز أن تقول: بايعته يدا، لأنك إنما تريد أن تقول:أخذ مني
وأعطاني، فإنما يصح المعنى إذا قلت: بيد؛ لأنهما عملان" .
ولو وقف سيبويه عند حد النظرة الداخلية المجردة لكان عليه أن يجيز قول
القائل "هذا أنت" كما يجيز قوله"هذا سور القدس، وهذا جوابهم"... وهو يتماشى
مع نظام الجملة وإعرابها ولكنه لا يجيزها لأنك"لا تشير للمخاطب إلى نفسه
ولا تحتاج إلى ذلك، وإنما تشير إلى غيره" .
ويستمد هذا التعليل -كما يذكر الموسى - من تحليل موقف الإشارة، فقد لاحظ
أنه يقوم في المواضعات المتعارَفة على جهات ثلاث: المتكلم (المشير)،
والمشار إليه، والمخاطب( المشار له)، ولاحظ أن المخاطَب جهة لازمة من هذه
الجهات، ولكنه جهة واحدة، فلا يجوز في حكم التحليل الخارجي للعبارة أن يكون
المخاطَب مشارا إليه ومشارا له في آن معا .
ومن جهة أخرى نجد سيبويه قد اعتنى عناية واضحة بمقصد المتكلم، وماذا يريد
عندما يستخدم اللغة، ومن الأمثلة التي توقف عندها سيبويه قولهم سرت حتّى أدخلها) في هذا
المثال اهتم سيبويه اهتماما واضحا بمراد المتكلم ومقصده، وكيف أثّر توجهه
ومراده على المعنى والإعراب وذلك عن طريق تقليب التراكيب والتدقيق في
المقاصد،والتوجهات، نحو قوله:"سرتُ حتّى أدخلُها، وقد سرتُ حتّى أدخلُها
سواء، وكذلك إنّي سرتُ حتّى أدخلُها، فيما زعم الخليل. فإن جعلت الدخول في
كلّ ذا غاية نصبت. وتقول: رأيت عبد الله
سار حتّى يدخلُها، وأُرَى زيداً سار حتى يدخلُها، ومن زعم أن النصب يكون في
ذا لأن المتكلم غير متيقن فإنه يدخل عليه سار زيد حتى يدخلها... وتقول: ما
سرت حتى أدخلُها، وحتى أدخلَها، إنْ جعلت الدخول غاية. وكذلك ما سرت إلا
قليلا حتى أدخلُها إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت... وتقول: قلّما سرت حتى
أدخلَها إذا عنيتَ غير سير، وكذلك أقلّ ما سرت حتى أدخلَها من قبل أنّ
قلّما نفيٌ لقوله كثر ما" فنرى أنه بدأ يفحص التراكيب تدريجيا من حيث مستوى
البساطة والتركيب، مبينا في كل مثال مقصد المتكلم وتوجهه وأثر هذا التوجه
على المعنى والإعراب, فالوظيفة الرئيسة لحركات الإعراب هي تحديد المعنى
الوظيفي للكلمات داخل السياق، تبعا لأغراض المتكلمين ومقتضى الحال، بمعنى
أن لكل حركة إعرابية معنى وظيفيا نحويا تدل عليه كالفاعلية والمفعولية
والإضافة وغيرها, فإن العلم بمواقع هذه العلامات ـ وحده ـ ليس كفيلا
بتحقُّق البيان للتراكيب، وإنما يضاف إليه معرفة بخواص التراكيب، وتصريفها
حسب المعاني والأغراض، فمثلا نجد لإثبات التنوين في اسم الفاعل معنى مختلفا
عن تركه، فيقول:" فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت في يَفْعَلُ كان نكرة
منونا، وذلك قولك: هذا ضاربٌ زيدا غدا، فمعناه وعمله مثل هذا يضرب زيدا
غدا..." ، ويقول:" فإذا أخبر أن الفعل قد وقع وانقطع فهو بغير تنوين ألبتة،
لأنه إنما أجري مُجرى الفعل المضارع" ، وهذا يعتمد على المتكلم المنشئ
للخطاب فإذا أراد أنّ الحدث قد وقع وانقطع فاسم الفاعل بغير تنوين،
والقرينة التي تحدد معنى إثبات التنوين أو تركه في اسم الفاعل هي ما يفيد
معنى الحال والاستقبال أو المضي. وسيبويه يلح على جانب المعنى والدلالة
والخاطب محتكما إلى مقياس الحسن والقبح وذوق العربية في صوغ أساليبها فما
وافق ذلك قبله واستحسنه، وما خالفه فإنه يرده ويستقبحه. وذلك نحو:" واعلم
أنه لا يقال:قائما فيها رجلٌ، فإنْ قال قائل: اجعله بمنزلة: راكبا مرّ زيدٌ
،وراكبا مرّ الرجل، قيل له: فإنّه مثله في القياس ، لأن(فيها) بمنزلة مرّ،
ولكنهم كرهوا ذلك فيما لم يكن من الفعل، لأن (فيها)وأخواتها لا يتصرفن
تصرف الفعل ، وليس بفعل ولكنهن أنزلن منزلة ما يستغنى به الاسم من الفعل،
فأجره كما أجرته العرب واستحسنت... فإن قال: أقول:مررت بقائما رجلٍ، فهذا
أخبث، من قِبَل أنه لا يُفْصل بين الجار والمجرور ومن ثمّ أسقط ربّ قائما
رجلٍ، فهذا كلام قبيح ضعيف، فاعرف قبحه، فإنّ إعرابه يَسِير ولو استحسناه
لقلنا هو بمنزلة فيها قائما رجل، ولكن معرفة قبحه أمثلُ من إعرابه" .
لم يكن سيبويه يرجح وجها إعرابيا إلا لأن المعنى يطلبه أو السياق يرشحه ومن
هنا كانت عناصر النظام اللغوي وهي المتكلم (المرسل) والمتلقي(المخاطَب)
والكلام(الرسالة) محور اهتمام سيبويه في أثناء عرضه المسائل النحوية
والصرفية في كتابه، كما تحققت فكرة المقام ومقتضى الحال عنده من خلال ما
يعرف بالقرائن الحالية أو المقالية ، والمتتبع للكتاب يلحظ أيضا اهتماما
كبيرا بتحليل التراكيب، فلا يقف عند وصف المواقف اللغوية، وإنما ينتقل إلى
وصف المواقف الاجتماعية التي تستعمل فيها، وما يلابس هذا الاستعمال من حال
المخاطب وحال المتكلم وموضوع الكلام. وقد تنبه سيبويه إلى دور السياق في
تحديد البناء الداخلي للغة، وبيان المقصود من البناء الخارجي، فنجده
يقول:"يقول الرجل:أتاني رجلٌ،يريد واحدا في العدد لا اثنين، فيقال، ما أتاك
رجلٌ، أي أتاك أكثر من ذلك،أو يقول: أتاني رجل لا امرأة، فيقال: ما أتاك
رجلٌ، أي امرأة أتتك. ويقول: أتاني اليوم رجلٌ ،أي في قوته ونفاذه، فتقول:
ما أتاك رجلٌ، أي أتاك الضعفاء. فإذا قال: ما أتاك أحدٌ صار نفيا"
فجملة:"ما أتاك رجل" تحتمل حسب السياق الذي ترد فيه أن تدل على العدد أي(
ما أتاك رجل واحد بل أكثر) أو تدل على الجنس أي (ما أتاك رجل ذكر بل
امرأة)أو تدل على الحالة "حالة الرجل" أي( ما أتاك رجل قوي بل ضعيف)
فالسياق هو الذي يرشحها لهذا المعنى أو ذاك. يقول الموسى إن:"كلمة "رجل"
مرشّحة لأنْ تُخْلَص لشعبة من شعب معناها الصرفي وهي العدد، كما أنها مرشحة
لأنْ تُخْلَص لشعبة أخرى من شعب معناها الصرفي وهي الجنس ، وأنها أيضا
أنها مرشحة لأنْ تُخْلَص لأحد ظلال المعنى الدلالي ... ولاحظ أن سياق
الكلام والحال وما يكتنفه من قرائن كمعرفة المستمع بمقاصد المتكلم، هو
العامل الحاسم في التمييز ونفي اللبْس" . وإذا كان حسان قد وصف الجملة بعد
انفراط سبكها بأنها لا يكون لها كفاءة إعلامية، فإنَّ قول الشاعر :
فقد والشـــك بيَّن لي عناء بوشك فراقهم صُرد
يصيح
قد وُصِف بأنه رديء الاعتراض؛ لأن الشاعر فصل فيه بين متلازمين بينهما قوة
اتصال، نحو: (قد) والفعل (بَيَّن) وبين الفعل وفاعله (صرد)، وفصل بين
المبتدأ(الشك) والخبر(عناء)، ومثل هذا قبيح عند سيبويه وابن جني ولا يغتفر
لخروجه عن قوانين العربية، وانحرافه عن أقيستها. وهو كذلك عند ابن الأثير
الذي بين أنّ الشاعر هنا أتم التقسيم فيما أفاد وفيما لا يفيد، وهذا من
رديء الاعتراض. فالحكم على هذا البيت بأنه قبيح والاعتراض فيه رديء لا
يغتفر انطلاقا من فكرة التلازم المفترض وجودها بين الكلمات والأبواب
النحوية، نحو علاقة التلازم بين المبتدأ والخبر والفعل والفاعل و(قد)
والفعل، وبما أن البيت قد أغفل هذا فقد خرج عن قوانين العربية وانحرف عن
أقيستها. وهذه الفكرة وقف عندها سيبويه عندما تحدث عن معنى النظم وائتلاف
الكلام وما يؤدي إلى صحته وفساده وحسنه وقبحه في مواضع متفرقة من كتابه،
قال: تحت عنوان"هذه باب الاستقامة من الكلام والإحالة" "فمنه مستقيم حسن،
ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب. فأما المستقيم الحسن
فقولك: أتيتك أمسِ وسآتيك غدا، وأما المحال، فأن تنقض أول كلامك بآخره،
فتقول: أتيتك غدا، وسآتيك أمس. وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل،
وشربت ماء البحر، ونحوه. وأما المستقيم القبيح فان تضع اللفظ في غير موضعه،
نحو قولك: قد زيدا رأيت، وكي زيدا يأتيك، وأشباه هذا.وأما المحال الكذب
فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس" فسيبويه يجعل مدار الكلام على تأليف
العبارة وما فيها من حسن أو قبح، ووضع الألفاظ في غير موضعها دليل على قبح
النظم وفساده. فقوله: قد زيدا رأيت وكي زيدا يأتيك يدل على أن الكلام قبيح
والنظم فاسد، وإن لم نعرف أن ذلك الفساد في النظم مرجعه إلى عدم جواز
دخول(قد وكي) على الأسماء فإن ذلك نحسه بأذواقنا ونستشعره بنفوسنا. وقوله
(أتيتك غدا) و(سآتيك أمس) يمكن إعرابهما لو نظرنا إلى الناحية الشكلية
المنصبة على العلامة الإعرابية فقط، وهذا يدل على أن النحويين القدماء لم
يكن همهم الإعراب فقط بل نظروا إلى الجانب المعنوي ،وأطلقوا عليه
لفظة(محال) لأن أوله يناقض آخره من ناحية المعنى. وكذلك نظروا إلى وجوب
التلازم بين (قد) والفعل أو (كي) والفعل دون فاصل لأنهما حرفان مختصان
بالدخول على الأفعال ولذا نعتوا مثل هذا التركيب بأنه قبيح مع أنه مستقيم
بعيد عن التناقض، فالكلام المستقيم المقبول عندهم أن توضع اللفظة الموضع
المحدد لها في عرف اللغة وقوانين النحو، وانتفى عنها التناقض والكذب. وكان
اهتمامه بنظم الكلام وتنسيق العبارات واضحا أيضا عند حديثه عن حروف العطف
وأهيتها في نظم الكلام، وأثرها في صحة النظم وفساده، وتقديم المسؤول عنه
بعد أداة الاستفهام، وإخباره النكرة عن النكرة، وهكذا فقد تحدث سيبويه عن
مفهوم النظم مراعيا فيه أحوال النحو، فهو يرى لكل استعمال معناه وتغيير
الاستعمال لا بد أن ينشأ عن تغيير المعنى، وهو لا يبعد في ذلك عن معنى
النظم وإن لم يسمه باسمه . وفي موضع آخر يحتكم أيضا للمعنى في توجيه الحركة
الإعرابية ، والحكم عل التركيب، فهو يجيز الجزم في نحو:"لا تدنُ من الأسدِ
تسلمْ"، و"لا تعصِ اللهَ تدخلِ الجنةَ"؛ لأنّ التقدير: إنْ لا تدنُ من
الأسدِ تسلمْ، وإنْ لا تعصِ اللهَ تدخلِ الجنةَ؛ فصح المعنى؛ لأن عدم الدنو
سبب في السلامة، وعدم المعصية سبب في دخول الجنة. ويمنع الجزم في نحو: "لا
تدنُ من الأسدِ يأكلُك"، و"لا تعصِ اللهَ تدخلُ النارَ"، لأنّ التقدير :
إنْ لا تدنُ من الأسدِ يأكلُك، وإنْ لا تعصِ اللهَ تدخلُ النارَ. فهذا
المعنى فاسد - ولا شك - والسبب هو تقدير "لا" بعد " إنْ " الشرطية، ولو لم
يقدروها لاستقامت العبارة، واستقام المعنى. وقال سيبويه:"فإن قلتَ: لا تدنُ
من الأسد يأكلْك فهو قبيح إنْ جزمت، وليس وجه كلام الناس" .
كما اهتم سيبويه بالمعنى المعجمي للكلمة في توجيه الإعراب وهذا خلاف ما
ذكره حسان من عدم الاهتمام بالمعنى المعجمي، فالفعل(رأى) عالجه معالجة
معجمية سياقية مخاطبية، فإذا كان بمعنى الإبصار الحسي(الرؤية الحقيقية)
يتعدى إلى مفعول واحد فقط، وإذا كان على معنى العلم الضمني يتعدى إلى
مفعولين، يقول الموسى: إن سيبويه يمتحن الفعل(رأى)"فيرى له عمقين دلاليين:
فهو يأتي على معنى الإبصار الحسي (رؤية العين) وعلى معنى العلم الضمني،
ويرى له معنيين نحويين... ويفزع سيبويه في البيان عن فرق ما بين المعنيين
إلى المجال الاجتماعي، ويجرد من معطياته موقفا ساطع الدلالة هو موقف
المتكلم إذا كان أعمى، فيقول متسائلا :"ألا ترى أنه يجوز للأعمى أن يقول
:رأيت زيدا الصالحَ" . وهذا التوجيه ليس عند سيبويه وحده بل نهجه الجرجاني
الذي لم يفصل بين معاني النحو والمعاني المعجمية، بل أكد أنه لا يمكن معرفة
ترتيب الألفاظ أو تعليق بعضها ببعض إلا بعد معرفة معانيها في النفس،
وتترتب الألفاظ في النطق في الوقت ذاته الذي تترتب فيه المعاني في النفس.
ثالثا- فكرة القرائن في ضوء نظرية النظم:
اهتم الجرجاني بالقواعد المستنبطة من التركيب، كالتقديم والتأخير والحذف
والذكر ،واستخدم عددا من المصطلحات"التأليف والتركيب والترتيب والنظام
والنسق" في قوله:"والألفاظ لا تفيد حتى تؤلّف ضربا خاصا من التأليف، ويعمد
بها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب. فلو أنك عمدت إلى بيت شعر أو فصل
نثر فعددت كلماته عدًّا كيف جاء واتفق، وأبطلت نضْده ونظامه الذي عليه
بني، وفيه أفرغ المعنى وأجري، وغيّرت الذي بخصوصيّته أفاد كما أفاد، وبنسقه
أبان المراد" ثم طبق هذا الكلام النظري الذي أورده على بيت امرئ القيس
"قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" وذكر أنك لو غيرت في ترتيب الكلم على
نحو"منزل قفا ذكرى من نبك حبيب" "أخرجته من كمال البيان إلى محالّ الهذيان
ويقول بعد أن نثر الشطر الشعري إنك" أسقطت نسبته من صاحبه، وقطعت الرحم
بينه وبين منشئه، بل أحَلْتَ أن يكون له إضافة إلى قائل، ونسب يختص بمتكلم.
وفي ثبوت هذا الأصل ما تعلم به أن المعنى الذي له كانت هذه الكلم بيت شعر،
أو فصل خطاب، هو ترتيبها على طريقة معلومة، وحصولها على صورة من التأليف
مخصوصة، وهذا الحكم – أعني الاختصاص في الترتيب – يقع في الألفاظ مرتبا على
المعاني المرتبة في النفس، المنتظمة على قضية العقل، ولن يتصور في الألفاظ
وجوب تقديم و تأخير ، وتخصيص في ترتيب وتنزيل، وعلى ذلك وضعت المراتب
والمنازل في الجمل المركبة " وهذا يدل ـ كما يذكر محمد عباس ـ على
عنايته بالوظائف اللغوية التي يعنيها في بحثه المتعلق بقراءة النص الأدبي
شعرا كان أم نثرا، وهو يلتقي في هذا الجانب مع معظم الألسنيين المعاصرين
الذي يعدون النص الأدبي مدونة أو نظاما، ويعنون به أن كل شيء في هذا النظام
مترابط، ولا وجود للعنصر بمفرده إلا داخل العلاقات التي يقيمها مع غيره من
العناصر؛ ولذلك فإن استخراج القوانين المتحكمة في العلاقات التي تحدثها
هذه العناصر في بعضها يعني استخراج البنية أو البنيات التي يتكون منها
النظام، وهذا يدل على أن منهج الجرجاني يراعي السياق الكلي الذي تتعدد فيه
الجمل وتترابط بالعلاقات والموقعية بالوظيفة النحوية كالفاعلية والمفعولية
والابتداء والإخبار والحالية وغيرها ، مما يعطي دلالة متكاملة تتحدد فيها
معاني الكلام فتؤدي وظيفتها الإبلاغية أو الاتصالية بالأسلوب التعبيري الذي
يخضع إلى جماليات النظم عن إحكام ودراسة.
ويلتقي مصطلح التأليف الذي ذكره عبد القاهر الجرجاني، وأكّده في مواضع
متعددة مع مصطلح التأليف الذي ذكره سيبويه من قبل في قوله:"... وصرفت تميما
وأسدا، لأنك لم تجعل واحدا منها اسما للقبيلة، فصارا في الانصراف على
حالهما قبل أن تحذِفَ المضاف، ألا ترى أنك لو قلت: اسأل واسطا، كان في
الانصراف على حاله إذا قلت:أهل واسط ، فأنت لم تُغيّر ذلك المعنى وذلك
التأليف إلا أنك حذفت" والغالب على الظن ـ كما يذكر أحمد سعد ـ أن مقصوده
من كلمة التأليف هنا هو نظم العبارة أو تأليف الجملة، انطلاقا من مُتَّجَهه
النحوي الذي لم يكن يُعْنى ـ في الغالب ـ إلا بتركيب الجملة وحدها، دون
تركيب الجملة مع الجمل الأخرى لكن مصطلح النظم لم يرد في الكتاب وإن كان
يفهم من حديثه عن استقامة الكلام وحسنه وقبحه.
ويلتقي مصطلح التأليف ـ أيضا ـ مع مصطلح التركيب عند دي سوسير الذي
يقول:"إن مفهوم التركيب لا ينطبق على الكلمات وحسب، بل على مجموع الكلمات
والوحدات المعقدة من المقاييس والأصناف كافة(الكلمات المركبة
والمشتقة،أقسام الجملة،والجملة الكاملة). ولا يكفي العلامة الرابطة بين
مختلف أجزاء التركيب بل يجدر بنا أيضا أن نعتبر العلاقة التي تربط الكل
بأجزائه" فنلاحظ المصطلحات التي استخدمها (التركيب ، الرابط ، العلاقة).
أما قول عبد القاهر إنه" معلوم أن ليس النظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض،
والكلم ثلاث: اسم وفعل وحرف، وللتعليق فيما بينها طرق معلومة، وهو لا يعدو
ثلاثة أقسام تعلق اسم باسم وتعلق اسم بفعل وتعلق حرف بهما" فيدل على أن
مواصفات الكلام لا تخرج عن التركيب اللغوي المتكون من مجموعة العلاقات
النحوية التي لا تخالف الأقسام الثلاثة:الاسم والفعل والحرف، وهذه الأقسام
تترابط فيما بينها حسب الاستعمالات الاختيارية من قبل المتكلم
الصورة الأولى: فعل واسم: انطلق زيد.
الصورة الثانية: اسم وفعل: زيد ينطلق.
الصورة الثالثة: اسم واسم: زيد منطلق.
ويرى عباس أن كل هذه الصور يعطي التركيب اللغوي مجموعة من العلاقات
النحوية التي تتولد عنها المعاني التي يراها عبد القاهر في دلالات الكلم،
وذلك بحضور الارتباط الضروري للمسند والمسند إليه الذي يتحكم فيهما التركيب
اللغوي العام، والمسند والمسند إليه إما أن يتعلقا بجملة فعلية أو جملة
اسمية على قدر ما يريد المتكلم في نظرية عبد القاهر. وقد فسر عبد القاهر في
هذا الصدد أن العلة الوظيفية والدلالية للتركيب اللغوي هما اللتان تحددان
هذا الترتيب في نفس المتكلم، وليس الوظيفة القاعدية كما يقول في النص:" وها
هنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا، وهي المبتدأ لم يكن مبتدأ،
لأنه منطوق به أولا، ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ، بل كان
المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت به المعنى" فالوظيفة الدلالية هي التي
تحقق غرض المتكلم وتبين مقاصده، ويضيف عباس أن عبد القاهر بنظريته هذه قد
حوّل" القاعدة النحوية التي تحافظ على قانون النحو من أن المبتدأ هو ما
يبتدأ به الكلام، ولذلك سمي بهذا الاسم، يحول هذا الاعتقاد السائد عند
النحويين واللغويين إلى أن المعنى الدلالي هو الذي أخضعها لأن تكون على تلك
الصورة، وتولد عنها هذا الترتيب في بنية العلاقات التي تكون الجملة" . وقد
تناول الجرجاني الجملة الظاهرة والجملة العميقة من حيث هي بنية قابلية في
استظهار دلالات متباينة في المعنى، وذلك عند حديثه في باب الاستعارة
مستشهدا بقوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ (مريم:4) يبين أن البنية العميقة
للآية "واشتعل شيب الرأس" وهو بهذا يلامس اتجاه تشومسكي في النحو التوليدي
التحويلي.
وقد وظّف عبد القاهر الجرجاني مصطلح التعليق لتفسير العلاقات السياقية
تحت عنوان النظم، الذي يعني به نظم المعاني النحوية في نفس المتكلم دون
بنائها على شكل جملة، وأشار إلى مسألة الفروق وهي تعني القيم الخلافية أو
المقابلات بين معنى وآخر أو مبنى وآخر، وذكر مصطلح الرتبة كما هي معروفة
عند النحويين وذلك في قوله:"موقع بعضها من بعض" ولم ينس التضام في
قوله:"واستعمال بعضها مع بعض" ومعناه حاجة كلمة إلى كلمة أخرى. وذكر مصطلح
البناء أي بناء كلمة لتناسب وظيفتها النحوية ومنه بناء الاسم المرفوع لمعنى
الفاعلية أو الضمير المتصل أو المستتر ، وبذلك يبقى الارتباط بين المعنى
والمعنى وثيقا . وذكر مصطلح الترتيب أي موقع الكلمة في السياق من حيث
الرتبة، ويفيد في معرفة مواطن التقديم والتأخير والرتب المحفوظة وغير
المحفوظة.
وأورد الجرجاني نصا بيّن فيه "أنك إذا قلت: ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضربا
شديدا تأديبا له: فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على مفهوم هو معنى
واحد لا عدّة معان كما يتوهمه الناس، وذلك لأنك لم تأت بهذه الكلم لتفيده
أنفس معانيها وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلّق التي بين الفعل الذي هو
ضرب وبين ما عمل فيه والأحكام التي هي محصول التعلق. وإذا كان الأمر كذلك
فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من عمرو وكون"يوم الجمعة" زمانا للضرب،
وكون"الضرب" ضربا شديدا، وكون"التأديب" علة للضرب؛ أيتصور أن تفرد عن
المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة، وهو إسناد الضرب إلى"زيد" وإثبات الضرب
به له حتى يعقل كون"عمرو" مفعولا به، وكون"يوم الجمعة" مفعولا فيه
وكون"ضربا شديدا" مصدرا، وكون"التأديب" مفعولا له؛ من غير أن يخطر ببالك
كون زيد فاعلا للضرب؟ وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتصور لأن عمرا مفعولا لضرب
وقع من زيد عليه ويوم الجمعة زمان لضرب وقع من زيد وضربا شديدا بيان لذلك
الضرب كيف هو وما صفته والتأديب علّة له وبيان أنه كان الغرض منه. وإذا كان
ذلك كذلك بان منه وثبت أن المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدّة معان
وهو إثباتك زيدا فاعلا ضربا لعمرو في وقت كذا وعلى صفته كذا ولغرض كذا،
ولهذا المعنى تقول إنه كلام واحد" . ويمكن توضيح مفهوم (التعلّق) في نص
الجرجاني على النحو الآتي :





شكل


وهذا الرسم التخطيطي يظهر لنا فكرة التعلق والتلازم بين الأبواب النحوية،
والرتب المحفوظة وغير المحفوظة. نحو التلازم بين الفعل والفاعل بعلاقة
الفاعلية، والمفعول به بالفعل بعلاقة المفعولية، والمضاف والمضاف إليه،
والجار والمجرور بعلاقة النسبة، والصفة والموصوف بعلاقة التبعية، والمفعول
السببي مع الفعل بعلاقة السببية. وتمثل الجملة الموضحة ـ كما يذكر النحاس ـ
تحويلا حدث بإضافة عناصر جديدة إلى الجملة النواة(ضرب زيد عمرا)، وهذه
العناصر تتمثل في القيود التخصيصية للحدث، نحو: قيد التحديد
والتوكيد(المفعول المطلق)، وقيد الظرفية(يوم الجمعة)، وقيد النسبة(الجر
بالحرف والجر بالإضافة)،وقيد الغائية(المفعول السببي)، وجميع هذه القيود
تتصل مباشرة بالبؤرة الأساس في الجملة النواة، وهي الفعل.
وقد بين إبراهيم مصطفى أن عبد القاهر الجرجاني أضفى على النحو صبغة جديدة
تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب، وبيّن أن للكلم نَظْمًا وأن رعايةَ هذا
النَّظْمِ واتّباع قوانينه هي السبيل إلى الإبانة والإفهام ، وقال لقد آن
لمذهب الجرجاني أن يحيا، وأن يكون سبيل البحث النحوي . وهذا ما أثبته حسان
في كتابه اللغة العربية معناها ومبناها عند حديثه عن نظرية النظم،
يقول:"ولقد كانت مبادرة العلامة عبد القاهر رحمه الله بدراسة النظم وما
يتصل به من بناء وترتيب وتعليق من أكبر الجهود التي بذلتها الثقافة العربية
قيمة في سبيل إيضاح المعنى الوظيفي في السياق أو التركيب. ومع قطع النظر
عن رأيي الشخصي في قيمة البلاغة العربية بعامة من حيث كونها منهجا من مناهج
النقد الأدبي وعن صلاحيتها أو عدم صلاحيتها في هذا المجال أجدني مدفوعا
إلى المبادرة بتأكيد أن دراسة عبد القاهر للنظم وما يتصل به تقف بكبرياء
كتفا إلى كتف مع أحدث النظريات اللغوية في الغرب وتفوق معظمها في مجال فهم
طرق التركيب اللغوي هذا مع الفارق الزمني الواسع الذي كان ينبغي أن يكون
ميزة للجهود المحدثة على جهد عبد القاهر" . ولكن الجرجاني هنا لم يغفل
العامل النحوي، بل جعله عماد عملية التحليل اللغوي في حين نجد حسان لم
يعتمد على العامل النحوي في التحليل اللغوي.
رابعا- العامل النحوي والقرائن:
استقرت فكرة العامل في الفكر النحوي العربي منذ سيبويه، وتوسع فيها العرب
توسعا كبيرا؛ فتحدثوا عن العامل اللفظي والعامل المعنوي والعامل القوي
والعامل الضعيف، وتوصلوا إلى قوانين نظنّها رائدة في هذا المجال؛ إذ رأوا
أن الأصل في العمل هو الفعل. ولم تسلم هذه الفكرة من النقد قديما وحديثا،
ولكنها ظلت مسيطرة على التحليل النحوي عند العرب إلى اليوم. وتقوم هذه
الفكرة على أساس التعبير عن العلاقات بين أجزاء التراكيب، والترابط الموجود
بين عناصر كل جملة، فكل عنصر مؤثر فيما بعد ومتأثر بما قبله، ويقتضي
العامل أثرا هو العلامة الإعرابية، كما تقتضي العلامات الإعرابية مؤثرا هو
العامل، فالعامل هو المؤثر، والمعمول هو المتأثر، أما العلامات الإعرابية
فهي الأثر الناتج عن عملية التأثر والتأثير، ولهذا تتألف الجملة من العامل
والمعمول وعلاقة العمل الرابطة بينهما، وعن العلامات الإعرابية بوصفها أثرا
للتفاعل القائم بينهما. فالعامل الموجد للمعاني الوظيفية للكلمات، وحين
يريد المتكلم التعبير عن تلك الوظائف فإنه يختار لها العلامة المناسبة في
عُرف اللغة، ولذلك اهتم النحويون بالعامل، وبنوا عليه قواعدهم وأحكامهم.
وقد أعاد اللغويون العرب المحدثون مناقشة هذه الفكرة بل هذه النظرية، وجاء
حديثهم عن قبوله أو رفضه، وتباينت آراؤهم ويمكن ملاحظة اتجاهين بارزين في
تناول هذه النظرية :
1) اتجاه يدعو إلى إبقاء العامل ويؤكد أهميته ودوره في الإعراب.
2) واتجاه يدعو إلى إلغاء العامل ويرفضه مُبديا الآثار السلبية التي جلبها
والمشكلات التي ترتبت على القول به. وينقسم الدارسون في هذا الاتجاه إلى
فريقين، الأول: اكتفى بالدعوة إلى هدم نظرية العامل دون تقديم بديل.
والثاني: قدّم نظريات بديلة عن القول بالعامل ورأى أنها أنسب من القول به.
ويعود اختلاف الدارسين في تناول نظرية العامل إلى اختلاف السبب الذي دعاهم
للقول ببقاء العامل، فجاء حديث بعضهم ردًّا على القائلين بإلغاء العامل، في
حين لاحظ بعضهم ارتباط العامل بحركات الإعراب. وكان أغلب ما ذكره عن
العامل إعادة لما ذكره النحويون القدماء عن العامل وأقسامه وعمله وأحكامه،
ولم يقدموا إضافة جديدة لهذا الموضوع، بل سعي بعضهم إلى تأكيد ذلك التصور
بإعادة أقوالهم وآرائهم عن نظرية العامل " ، وبين الحجيلان أنه لم يتضح
استفادتهم من الدراسات اللغوية الحديثة التي تناولت هذا الموضوع بالنقاش
والتحليل، حتى أصبحت نظرية العامل من أحدث النظريات اللغوية التي تؤسس على
أساسها الدراسات النحوية عند أصحاب المدرسة التوليدية التحويلية ، ولم يقدم
القائلون بإبقاء العامل المسوغات العلمية الكافية للقول بأهميته وأثره في
الإعراب، فلا يتجاوز دورهم تحليل بعض الأمثلة البسيطة، وتعيين العامل
والمعمول فيها، ثم بيان أثر العامل في المعمول الذي يتمثل في العلامة
الإعرابية، لذلك لم تُقدم نظرية العامل تقديما علميا يُقنع بوظيفتها
الأساسية، ولم يقدّم القائلون بإلغاء العامل أسبابا منطقية لرفض نظرية
العامل وكان أغلبهم متأثرا بعاملين أساسيين، أحدهما:هو التأثر بآراء ابن
مضاء القرطبي في كتابه "الرد على النحاة"، أما العامل الآخر فهو التأثر
بمبادئ المدرسة الوصفية اللغوية التي دعت إلى ملاحظة ظاهر اللغة المدروسة،
وقَصَرت دور عالم اللغة الوصفي على الملاحظة والوصف والتسجيل، ولهذا نجد
هذه المدرسة تستبعد العامل وما يتعلق به من أصول ومفاهيم وأحكام وقواعد.كما
أن تلك النظريات البديلة لنظرية العامل لم تكن قادرة على تقديم تفسير
متكامل وواضح لقضية الإعراب، ولم تشمل المقولات المقدّمة تفسيرا لمجمل
حالات الإعراب وبيانا لكل وظائف العلامات الإعرابية ، لذلك لا بد أن تكون
النظرية قادرة على إيضاح الإعراب بوصفه نظاما لغويا ثابتا في اللغة لا سبيل
إلى إنكاره.
وفكرة العامل النحوي - كما يرى ياقوت - لا يمكن إهمالها أو الإعراض عنها
فهي"تقنّن الكلام، وتعطيه معايير ثابتة تقي المتكلم من الوقوع في الخطأ،
وتحفظ النحو من دخول اللحن فيه" .
ولاحظ المهيري اهتداء النحويين إلى أن الإعراب يمثل عنصرا من عناصر النظام
العلامي في اللغة العربية لأنه "يتجلى في مجموعة من العلامات بالمفهوم
الحديث للمصطلح باعتبارها أصواتا تظهر في سلسلة الكلام حسب ترتيب معين،
وتستمد قيمتها مما بينها من تقابل أو اختلاف " ، ويصل المهيري إلى أن
الكلام في نظر النحويين يتضمن" مستوى أدنى من المعاني تترجم عنه صيغ
الكلمات وأبنيتها ، يعلوه مستوى فوقي من المعاني تؤديه علامات الإعراب وتدل
عليه ، ولا نبالغ إن قلنا إنهم قد تراءى لهم المفهومان الحديثان مفهوم
العلاقات الاستبداليّة ومفهوم العلاقات الركنية" .
ودعا الفضلي إلى تنقية فكرة العامل من الزوائد الصناعية المتمثلة في
التقدير أو الإعراب لتبقى فكرة العامل نظرية من نظريات النحو . وأضاف أن"
البديل لنظرية العامل للقيام بتحديد الوظيفة النحوية للكلمة في الجملة هي
دلائل الإعراب التي اعتمدها النحاة" ، وأكد أن النحويين لم يهملوا مراعاة
القرائن عند تحديدهم للمعاني النحوية الوظيفية، لكنهم لم يخصوها ببحث
مستقل، وكانت آراؤهم مبثوثة في ثنايا التطبيقات الإعرابية . ويرى أن عبد
القاهر تناول الفكرة نفسَها على نحو واضح ، وأن فكرة التعليق عنده تعني
النظام النحوي لصياغة الجملة ولا تعني الإعراب كما فهمها حسان، فقد ذكر
الجرجاني التعليق ليفسر به نظرية النظم، ويعني بالنظم مطابقة الصورة
اللفظية في حملها المعنى للصورة الذهنية ، ولهذا يؤكد الفضلي" أن الإعراب
أو الموقع الإعرابي جزء من نظام الجملة، والموقع الإعرابي أو الوظيفة
النحوية للكلمة في الجملة التي تتمثل في المعاني النحوية من فاعلية
ومفعولية وما إليها هو الذي تدل عليه القرائن النحوية، وليس نظام الجملة
ككل " .
ولكن ما دام حسان بنى منهجه على التعليق الذي هو أساس نظرية النظم لماذا
رفض العامل النحوي؟
أما سبب رفض حسان فكرة العمل النحوي فيرجع إلى كون المنهج اللغوي الحديث
يقوم على أساس ملاحظة اللغة المدروسة نفسِها، ولا يُقِرُّ بتدخل المنطق
الأرسطي، أو الفلسفة في دراسة اللغة، ويرى حسان أن عالم اللغة الوصفي عليه
أن يقصر نشاطه على الملاحظة والوصف والتسجيل ، وأن"العامل النحوي، وكل ما
أثير حوله من ضجة لم يكن أكثر من مبالغة أدّى إليها النظر السطحي، والخضوع
لتقليد السلف، والأخذ بأقوالهم على علاتهها" ، ويرى حسان أن المنطق الأرسطي
هو المسؤول عن وجود نظرية العامل، ولذا رفض التعليل, وذكر أن فهم القرائن
المقالية يغني عن فكرة العامل النحوي الذي قال بها النحويون . مع أنه -كما
سيتضح فيما بعد – يأخذ بالعامل النحوي في تحليله اللغوي.
ومفهوم العامل النحوي قد عاد يحتل مكانه في المنهج التحويلي، بل قد يكون
مثيرا أن نرى تعبيرات التحويليين لا تختلف عن تعبيرات نحاة العربية عن فكرة
التأثير والتأثر، وانظر إلى المثال الذي قدمه الفاسي الفهري عن الفعل
"ضرب" الذي يأخذ فضلة لها دور متقبل العمل Eciprent أو الضحية Portient
ويأخذ فاعلا هو منفذ العمل Agent . أنكر الفاسي الفهري وهو أحد اللسانيين
العرب المحدثين على الوصفيين رفضهم القول بالعوامل والعلل والتقدير،
واحتجاجهم بغير حق بأن ذلك شيء فلسفي منطقي. وبين أن هذه العوامل لها دور
في التحليل اللغوي .
وأما عن العامل في الدراسات اللسانية فقد أشار إليه حمزة المزيني وهو من
المختصين بالدراسات اللسانية التوليدية أن جهود نحاة العرب الرائعة لم تقدر
بما تستحقه في الغرب إلا مع التقاليد البنيوية التي أتى بها سوسير
وبلومفيلد وتشومسكي" . وعرض رأيا مفاده أن العرب اهتدوا إلى فكرة العامل
الذي يحكم الكلمات بعضها بعضا فلم يكونوا ينظرون إلى الكلمات في الجملة على
أنها نتيجة لتتابع عشوائي بل ترتبط بنظام يحكم بعضها بعضا ، وذكر أن أوين
عندما يقارن هذه الأفكار بإحدى المدارس اللسانية لتحليل الجمل ، وهي مدرسة
نحو التعليق (dependency grammar ) يجد أن النظريتين تقولان الشيء نفسه .
ويرى الملخ أن المدرسة التوليدية التحويلية المعاصرة تنطلق من العامل
النحوي، وأن رائدها تشومسكي اعتمد في التحليل اللغوي الربط العاملي (GB )
وهو"من أهم مرتكزات التفسير في نظرية النحو الكلي، وهي تنطلق من منطلقين:
الأول: ضرورة وجود أثر ( Trace ) للعامل في الجملة . والثاني: ضرورة فصل
المعاني الملبسة ، بتحديد مجال تحكم كل عامل " ."ويؤمن تشومسكي بأن أي لغة
بشرية طبيعية تخضع لنظام دقيق يختفي وراء قواعدها في النحو والصرف. فتفسير
اللغة سعي للبحث عن السر الذي يجعل القاعدة النحوية صحيحة منتجة لعدد لا
نهائي من التطبيقات. وهذا ما يؤمن به نحاة العربية عموما عندما يطلبون
الحكمة في القواعد التي وضعوها للنحو العربي، ويؤمن تشومسكي بان تناول
المادة اللغوية بالوصف والتصنيف لا يمكن أن يكون موازيا لحقيقتها في العقل "

ويذكر الغامدي أن التعليل النحوي الذي شرحه الخليل أعطى الدرس النحوي صفة
العلمية مثلما رامت العلمية المدرسة التوليدية التحويلية بالتفسير لا
بالوصف . ويضيف "ولا بد هنا من التنبيه على أنني لست أنكر ألبتة أن العامل
النحوي قد كان التعويل عليه عند علماء العربية لتخريج الحركة الإعرابية في
المقام الأول، ولن أنكر ما النحو العربي من مسائل جديرة بالنقد وإعادة
النظر، ولن أتعامى عنها، لمجرد الدفاع عن العامل والعلل والتقدير وما إلى
ذلك . ولذا أتفهم تفهما كاملا ما أشار إليه حسان من أن العامل لا يغطي في
التخريج عليه ما تغطيه مقولة تضافر القرائن غير أني أجزم بأن العامل مع
غيره من الأصول الأخرى يمكن أن تفسر جميعا ما نحتاج اليوم إلى تفسيره من
زاوية معينة " . ويقول" وعندي أن تضافر القرائن لا يعارض العامل النحوي
وسائر الأسس المتحدث عنها في هذا البحث ، بل تعد زاوية النظر التي دعا
إليها حسان زاوية أخرى للنظر لا يضيرها أن ترفد الزاوية الأخرى التي تؤيدها
المدرسة التوليدية التحويلية وتتحد معها في بعض أساليب النظر مع قدماء
النحويين العرب. على أننا سنجد حسان بعد تأليف الكتابين المذكورين بنحو
عقدين من الزمان يتخفف في بعض أعماله الأخرى كثيرا من الوصفية الأولى التي
اشتد حماسه لها في مراحل التأليف" . وينقل الغامدي قول الملخ الذي
يقول"عندما وصلت آثار التوليدية التحويلية إلى بعض المحدثين حصل ما يشبه
الانقلاب . فحسان الذي كان يقول سنة 1957:"نرجو أن نكون قد بينا فساد
العامل في النحو، بل فساد التعليل الذي هو أصل العامل" عاد عن شيء من رأيه
سنة 1978 ، وقال "يبدو أن النموذج التحويلي يمكن أن يطبق على اللغة العربية
، ويمكن للغة العربية أن يعاد وصفها ألسنيا من خلاله". وذهب في سنة1984
إلى أبعد من ذلك فقال:" من مظاهر الطاقة التفسيرية في النحو العربي ظاهرة
التعليل لأحكام النحو وأقيسته" .
خامسا- اضطراب المصطلح:
اضطرب العلماء المحدثون في إطلاقهم المصطلحات التي تتلاءم مع مصطلح القرائن
لدى حسان، فنجد (نظرية القرائن النحوية ) و(منهج القرائن النحوية) و(
نظرية التعليق ) و(فكرة القرائن) و(فكرة تضافر القرائن) و( نظرية تضافر
القرائن).
وعلى الرغم من هذا الاضطراب في المصطلح فإننا لا ننكر أننا أمام فكرة لها
أبعادها المعرفية ولم يغمطها النحويون حقها بل جاءت متناثرة في كتبهم
استلهمها حسان واستنطقها وأعاد صياغتها مفكِّرا في أبعادها وأقسامها.
فقد أطلق عبد الرحمن العارف اسم النظرية، وقال: احتوى كتاب اللغة العربية
معناها ومبناها لحسان على أهم نظرياته في اللغة كنظرية القرائن النحوية هذه
النظرية التي تحولت فيما بعد عبر أتباعها الذين تأثروا بأفكارها إلى ما
أطلق عليه مصطلح " مدرسة تضافر القرائن" أو" القرائن النحوية" .
وذكر أحمد الجندي أن حسان أبرز دور القرائن التي غمطها النحويون حقها بسبب
انشغالهم بقرينة واحدة من بينها علامة الإعراب، وأسماها "نظرية القرائن
النحوية" (The Sings Theory) .
وأطلق الحجيلان اسم "نظرية القرائن النحوية" في قوله: و"لهذا جاء حسان
بنظرية تستطيع ـ كما يرى ـ تفسير العلامات الإعرابية، وتغني عن القول
بالعامل، وأسماها نظرية القرائن النحوية" .
ذكر الحمداوي مصطلح منهج القرائن وهو منهج وصفي يهدف إلى تحديد المباني
والوظائف النحوية ، ويسمى بمنهج القرائن لأنه يعتمد على القرائن اللفظية
والمعنوية، كما يسمى أيضا بـ"نظرية التعليق".
وأشار طه الجندي إلى أن حداثة المصطلح عند حسان ترجع إلى نظريته التي
قدمها للنحو العربي المسماة بنظرية تضافر القرائن، وعلى الرغم من هذا
الاضطراب في المصطلح فإننا لا ننكر أننا أمام فكرة لها أبعادها المعرفية
ولم يغمطها النحويون حقها -كما ذكر الجندي – بل جاءت متناثرة في كتبهم
استلهمها حسان واستنطقها وأعاد صياغتها مفكِّرا في أبعادها وأقسامها.
سادسا- آراء حول نظرية القرائن:
تضاربت الآراء حول نظرية القرائن لدى حسان بين من وجد فيها إحياءً للتراث،
فهذا حلمي يرى أن القرائن اللفظية والمعنوية يمكن أن تدخل في إطار ما يعرف
المورفيمات ( الصّرفيات) بأنواعها الثلاثة ؛ لأنها عبارة عن معانٍ وظيفية
نحوية صرفية ناتجة عن توزيع المورفيمات وفق علاقات تركيبية . وأنواع
المورفيمات هي: المورفيم الصفري، والمورفيم المقيد، والمورفيم الحر) .
وتقوم تلك المورفيمات بثلاث وظائف هي:التعريف أو التحديد والتصنيف والتوزيع
، فنحو جملة ( ضرب زيد عمرا) يجد أن القرائن اللفظية والمعنوية تتحقق من
خلال صرفيات الصيغة والإعراب والبناء والرتبة والإسناد وغيرها وهي صرفيات
بعضها لفظي ، وبعضها الآخر صفري ومع هذا فإنها تقوم بوظيفة لغوية واحدة .
أما محمد صلاح بكر فيرى أن الإعراب قرينة من مجموعة من القرائن تقوم بتوضيح
الجزئيات التي يتكون منها العمل النحوي .
ويرى أحمد الجندي أن نظرية حسان ينقصها عامل الاطراد الذي هو أساس هذه
النظرية ؛ لأنه لا يمكن أن نفسر في ضوئها الاستعمالات المعاصرة ، وإنما هي
مقصورة على التراث القديم فقط ، فتفسر ما وقع سابقا، وتبرر ما حدث من
النحويين السابقين وحدهم، ولا صلة لها بالمستقبل، وأوضح أن هذه النظرية
مجرد مقولات نظرية تحتاج إلى التطبيق العملي والتعليمي، والتأليف في جميع
أبوابه على هدى من فكرته ، وأنها غير ميسرة إلا للموهوبين.
أما طه الجندي فقد أشار إلى أن حداثة المصطلح عند تمام حسان ترجع إلى
نظريته التي قدمها للنحو العربي المسماة بنظرية تضافر القرائن. وحاصل
مقالته في هذا المجال أنه نظر إلى العلاقات المشتبكة في الجملة فقسمها إلى
طائفتين من العلاقات سمّى الطائفة الأولى: القرائن اللفظية: وهي القرائن
المنطوقة متمثلة في البنية الخاصة للكلمة وموضعها من الجملة، ومضامتها لبعض
الكلمات، ومطابقتها لما تتطابق معه، وعلاقتها الإعرابية، وغيرها من
القرائن اللفظية كالربط والأداة والتنغيم. وسمّى الطائفة الأخرى: القرائن
المعنوية وهي العلاقات السياقية التي تفيد في تحديد المعنى النحوي، ومنها
قرينة الإسناد، وهي العلاقة الرابطة بين المبتدأ والخبر، أو بين الفعل
والفاعل، وقرينة التخصيص، وتحتها فروع هي: التعدية والغائية والمعية
والظرفية والتأكيد والتحديد والملابسة والإخراج والتفسير، ولكل منها معنى
تدل عليه ، وقرينة الشبه وهي بدورها تتفرع إلى معاني حروف الجر والإضافة
وقرينة التبعية وتتفرع إلى النعت والتأكيد والعطف والإبدال.
ويضيف "ومع تقديري الشخصي والموضوعي لهذه النظرية، ولما قدمته من أفكار
جديدة في الدرس النحوي فإني أرى أنها لم تبتعد عما جاء به النحويون كثيرا
والدليل على ذلك أقوال النحويين التي ساقوها في تحديدهم للباب النحوي ، إذ
إنها تبين أنهم كانوا على دراية بالقرائن النحوية ، وأهميتها في تحقيق
الربط، وتحديد المعنى النحوي.
ويرى أحمد الجندي أن نظرية تضافر القرائن فكرة محكمة الوضع، متكاملة
الجوانب، هزت الدراسات الأصولية في النحو هزًّا عنيفا ، وفُسّرت بها بعض
القراءات التي خَرَجَت عن سنن العربية . ويضيف أن الأستاذ حسبه أنه التقط
هذه الفكرة من ثنايا التراث العربي ، فكانت أجرأ محاولة عرفت في العصر
الحديث .
ومن الدراسات ما رأت في عمل حسان أنه عمل لساني رائد، يُعَدُّ من أهم ما
تم في إطار الاتجاه الوصفي ، استطاع صاحبه أن يطور منهجا جديدا من التراث
النحوي والبلاغي القديم معتمدا على منهج من مناهج الدرس اللغوي الحديث ،
وأعطى للنحو مفهومه ومكانه الصحيح بين أنظمة اللغة العربية ، كما أن هذا
العمل يقف في الصدارة من تلك المحاولات التي احتوت الغاية التعليمية، واتسع
أفقها المنهجي ليعالج مسائل العلم المتصلة بوظيفة النحو البحثية وغاياته
الأكاديمية، وهو جهد بصير يباين في جوهره جميع ما سبقه من جهود .
وفي المقابل نجد من يرى أن هذه النظرية لا تكشف عن أيّ تجديد حقيقي في
مقاربة اللغة العربية ، وأنه ليس نموذجا جديدا يقف بإزاء النموذج البصري
وإنما هو دراسة نقدية شاملة مع إعادة ترتيب للدراسات اللغوية العربية وفق
المنهج الوصفي البنيوي ليس إلا . وأنه لم يتوصل إلى وضع وصف جديد كامل
للعربية بل جدّد فيه بعض التجديد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://educ.yoo7.com
 
نظرية القرائن في التحليل اللغوي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التواصل للتربية و التعليم بــبوقطــب :: منتدى اللّغة العربيّة-
انتقل الى: